نصر حامد أبو زيد
110
الاتجاه العقلي في التفسير
ارتباطها بالكذب ، وهو يستند في ذلك لكلمة لعمر بن الخطاب ، وتسند أحيانا لعلي بن أبي طالب . ويبدو أن الآية التي تثير هذه المسألة - وهي على لسان إبراهيم عليه السلام - كان لا بدّ أن تثير قضية الكذب ، ومن ثم فلا بدّ من أن يسعى المفسر لنفي الكذب عن نبي من أنبياء اللّه المعصومين . يقول الفراء تعليقا على قوله تعالى حكاية لقول إبراهيم لقومه إِنِّي سَقِيمٌ « أي مطعون من الطاعون . ويقال إنها كلمة فيها معراض ، أي ان كل من كان في عنقه الموت فهو سقيم ، وإن لم يكن به حين قالها سقم ظاهر . وهو وجه حسن . حدثنا أبو العباس قال حدثنا محمد قال حدثنا الفراء قال حدثني يحيى بن المهلب أبو كدينة ، عن الحسن بن عمارة عن المنهال بن عمرو وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبي بن كعب الأنصاري في قوله لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ قال : لم ينس ولكنها من معاريض الكلام وقد قال عمر في قوله : ( إن في معاريض الكلام لما يغنينا عن الكذب ) » 56 ومن الواضح في كل هذه التحليلات للتراكيب المجازية في القرآن ، أن الفراء وكذلك أبا عبيدة توقفا عند مرحلة الكشف عن المعنى ، وبيان توافق التركيب القرآني مع تراكيب اللغة الشائعة في الشعر وكلام العرب وكانت زاوية التحليل عند كل منهما متأثرة بثقافتهما من ناحية ، وبطبيعة المهمة التي واجهاها من ناحية أخرى . وكان من الطبيعي - في هذه المرحلة - أن لا يدرك المفسر الفارق بين التركيب المباشر ، والتعبير الاستعاري . أو المجازي ، ذلك التركيب الذي نعتبره اليوم « أكثر الوسائل أهمية لاكتشاف المعاني الجديدة » ومن ثم يعدّ ضرورة لغوية تتطور من خلاله اللغة للتعبير عن مدركات جديدة ، أو تعبر من خلاله « ما هو معروف إلى ما لم يعرف بعد » 57 . ومع ذلك كله فقد كشف كل من أبي عبيدة والفراء عن هذه الأساليب المجازية ، واستطاعا أن يبلورا كثيرا من عناصر المجاز التي لم تنفصل عنه بعد ذلك ، وبذلك مهّدا الطريق - من بعدهما - للجاحظ وابن قتيبة والقاضي عبد الجبار ليفيدوا من هذه الجهود في تأويل النص القرآني ليتفق مع ما ذهب إليه كل منهم في قضايا التوحيد والعدل . ولم يكن كل من أبي عبيدة والفراء والمفسرون قبلهم منفصلين عن هذه المهمة التأويلية التي أجّلنا التعرّض لجهودهم فيها إلى الفصل التالي ، مكتفين هنا برصد تطور مفهوم المجاز وتحديد العناصر التي دخلت تحته .